حتى لا ننسى عظماء هذه الدولة/ بقلم المرتضى ولد محمد اشفغ | البشام الإخباري

حتى لا ننسى عظماء هذه الدولة/ بقلم المرتضى ولد محمد اشفغ

حتي لا ننسي عظماء هذه الدولة 

الاستاذ  #الرشيد_صالح
رأيناه في الساحة يلبس دراعة خضراء...كان يمرر اصابع يده اليمنى على مقدمة رأسه يستبقي شعرات طويلة منبطحة على صلع خفيف في مقدمة رأسه...كانت الشعرات مشاغبة ترتفع في رقصة هادئة كلما هب النسيم....سلمنا عليه ونحن نعيش افراح الخروج من جحيم سيلا ابراهيما ذي العصا الطويلة التي كانت تعبث باجسامنا النحيلة دون رحمة....فرحنا بنجاحنا لان اخوتنا الكبار كانوا يقولون ان الناجحين الى الاعداديات يودعون ضرب المعلمين....
كان المغفور له الرشيد ولد صالح اول استاذ درسني العربية...سنة 1975 في اعدادية الاك...هو مديرها الاول واستاذ اللغة العربية والتربية الاسلامية والمدنية والاخلاقية الاول ايضا....كنا صغارا جدا اغلبنا حديث عهد بالبادية...
وقف امامنا كفاتح مرابطي وألقى خطاب التعارف فتدفقت علينا الصور الشعرية الجميلة واساليب اللغة العربية الماتعة واخذنا معه في رحلة ادبية فاتنة حقا راينا فيها كم تكون الكلمة ساحرة وكيف يكون الحرف العربي عظيما رائعا حين يمتطي حنجرة عسلية كحنجرة الرشيد تسبح بك عاليا في زرقة الابدية لتحلم وتذوب وتفنى في مفاتن العربية الحسناء بعيدا عن الابجدية الارضية الرخيصة...  ادركنا ذلك  ونحن اطفال .....قد يدفعني التهور الى ان اقول ان مستوياتنا في تلك الايام واستعدادنا للتلقي والاستيعاب يفوقان كثيرا من مستويات من يخيل اليهم اليوم انهم مبدعون وانهم متميزون...
كان الاستاذ الرشيد رحمه الله حريصا على تنمية ملكاتنا الادبية وقدراتنا اللغوية....
تميز الاستاذ الرشيد بخطابة نادرة....تنساب من فيه العبارات سلسة تزدحم لكنها كانت تخرج في نظام وانسجام ياخذان بتلابيب العقل والقلب فلا يجد المسكينان غير الاستسلام راغبين غير مكرهين  وهما يذوبان افتتانا بشلال لغوي يتدفق بلا انقطاع ولا تأتاة ولا استعانة بكلمة عكاز....
في يوم من ايام الاك الحارة ملأ العاملان القدور ماء..كانا يجذبان الماء من بئر عميقة جدا مستعينين بحمير ورشاء بطول 40 مترا....وكانت قدر الادارة والاساتذة صغيرة الحجم...كنا نتحلق حول تلك القدور للشراب تارة وللشغب في اكثر الاحيان...رأينا الاستاذ الرشيد قادما فتفرق التلاميذ الى اقسامهم وبقيت لأشرب...فحرضتني زميلاتي زينب ومريم وشيته على شغب غريب...ان أتفل في القدر التي يشرب منها الاساتذة....لست ادري اية مشاعر في ذلك الوقت دفعتني الى الاستجابة لهذا الطلب الخطير ففعلت ولكني رأيت بصاقي خارج القدر ولا انكر ان ذرات منه دخلتها...وشاء القدر ان يكون الاستاذ الرشيد اول من يشرب من القدر ونحن وقوف نرقبه...ولما قفل راجعا شعرت بحزن شديد....ما اقسى ان يشعر الطفل بارتكاب العار ...فبكيت وانسللت من القسم وعدت الى المدينة ولما كان الغد اخبرت الاستاذ الرشيد اني تفلت في القدر وانه شرب منها وشعرت بالراحة وانا اعترف بخطيئتي...كان الاستاذ الرشيد عظيما ورحيما فقال لي ريقك مبارك انا نمت البارحة نوما لم انمه من قبل شعرت بالراحة والاطمئنان وربت على كتفي مبتسما وأدلفني الى الفصل....
في يوم من ايام فبراير 1976 وبعد الاختبارات الاولى قال لنا : ايها التلاميذ اني اكتشفت أن في الفصل تلميذين لا بد ان اقيم بينهما مبارزة اسبوعية في الانشاء وسيكون الموضوع الاول ان يصف كل منهما قريته....وحان اليوم المشهود....وقف الاستاذ الرشيد وقال : المرتضى وسالم فال الى السبورة....فقرأت ما كتبت عن اغشوركيت وقرأ سالم فال ما كتب عن جونابه...ونحن نرتعد ترقبا لحكم الاستاذ والتلاميذ متحمسون للتصفيق عند اعلان الفائز...فاجأنا الاستاذ الرشيد بقوله : ايها التلاميذ لاشك انكم مثلي انبهرتم بجمال هاتين القريتين انهما قريتان جميلتان حقا ولا بد ان ازورهما...ضجت القاعة بالتصفيق وعانقنا الرشيد وصفق لنا طويلا واحتفظ بالورقتين....اكتشفت بعد ذلك عظمة الاستاذ وعمقه التربوي فهو في قوله ان القريتين جميلتان لم يسمهما لان ذلك يقتضي ذكر احداهما قبل الاخرى وهو لا يريد ذلك حتى لا يفهم التقديم في اللفظ تقديما في الرتبة...ما اعظمه!!!!
لما اقتربت ذكرى الاستقلال الوطني انشا منا فريقا مسرحيا لتمثيل مقتل كبلاني...فاحتاج الى ان يقدم لنا دروسا في المقاومة...وما زلت اذكر اختياره لزميلي اعباده ليمثل دور كبلاني ...نظرا للونه وطريقة اصطفاف شعره.... 
مرت الاعوام سريعة بطيئة افتقدت استاذي وفي صدري اشواق اليه لا تحد...حتى كان عام 1986 علمت انه حول مديرا لثانوية البنات وكنت وقتها استاذا في اعدادية البنين فذهبت اليه ...استوقفتني وحدات صغيرة من الجيش الابيض بدأت تمهد لاحتلال شاربه و لحيته...نهض الى باشا ...لم ابح له باسمي ...وكررت : استاذ كيف حالكم فاستخبرني عن نفسي ولما ذكرت له اسمي احتضنني طويلا وقال لي عرفت الاسم وجهلت الجسم فاعذرني انا درستك صغيرا وانت الآن رجل...
استاذي العزيزاليوم اجدني اجلس في نفس المكان الذي جلست فيه  ذات زمان من عام 1975 .. لكأني اسمع الدولاب والجدران الاربعة للمكتب الصغير وبقايا أرشيف تقول لي :"دسنه"... واذا خلت الاقسام من التلاميذ دخلت القاعة رقم 1 وفيها درس القسم 1B1 سنة 1975 وجلست وحدي قبالة النافذة الشرقية في المكان الذي كنت اجلس فيه تلميذا اتابع شرحك أستاذي الرشيد لقصيدة: يا مورتان لك الكلاءة والظفر @فابقي الى جنب العروبة لا مفر@
خلوة اركب لها ذكريات الزمن الجميل...اختلسها كلما حاصرتني رداءة العصر واعيش بالشوق الحنين زمنا تولى.... 
..... رحم الله استاذي الكبير الرشيد ولد صالح رحمة واسعة....

من صفحة المرتضى / محمد اشفغ

تصفح أيضا...