الرحيل في قصيدة للشاعرة باته بنت البراء… إضاءة بقلم الكاتب (ذاكو وينهو) | البشام الإخباري

الرحيل في قصيدة للشاعرة باته بنت البراء… إضاءة بقلم الكاتب (ذاكو وينهو)

مسافرة…

مُـسَـافِــــرَةٌ مَــدَى الْحِـــــــدَقِ @
@ مَــدَى الـتَّـهْــتَــانِ وَالْــوَدَقِ@
مَدَى صَحْـرَائِــــــيَّ الْعَـطْـشَى@
@ مَـدَى الْأَنْـفَــاسِ وَالْعَــــرَقِ@
مُـسَــافِــرَةٌ عَــلَـــــــى ثَــبَـــجٍ @
@ وَأَمْـــوَاجٍ مِــنَ الْــغَــسَـــقِ @
مُسَــافِـــرَةٌ مَــدَى حَــــــــزَنِي @
@ مَــدَى صَـمْـتِي مَدَى قَـلَـقِي@
مَــدَى أَيَّــامِ مَـــدْرَسَــتِـــــــي @
@ مَــدَى طَـيْـشِي مَـدَى نَـزَقِي@
مَـدَى الْجِـيَّـاعِ فِــــــــــي وَطَـنِي@
@ مَــدَى الْأَنَّـــــاتِ وَالْحُـــرَقِ@
يُـظَـلٍـلُ أَشْـرِعَـتِــــــــــي قَـمَـرٌ @
@ بِـلَـوْنِ الْــوَرْدِ وَالـشَّـــفَــــقِ@
وَيَـدْفَـعُ مَـرْكَـبَـتِــــــــــي حُـلُـمٌ @
@ بِــلَا سَــــاقٍ.. بِـــلَا أُفُــــقِ @
وَأَبْحَـثُ فِـــــــي بِــلَادِ اللَّـــهِ @
@عَــنْ وَجْــهِي وَعَــنْ نَـسَـقِي@
مُسَـافِــرَةٌ إِلَــــــــى لُــــغَـــتِي @
@ مُـسَـافِـــرَةٌ عَـــلَى الْـــوَرَقِ@

أمام النص…
الصحراء …الرحيل…رحلة الإنسان ورحلة الأرض….
الرحيل…السفر….رفض..وتمرد…وثورة وشعور بالغربة….الغربة في الوطن أو الغربة خارج الوطن….
الغربة في الوطن غربة نفسية…عاطفية…وجدانية…ثقافية…وهي أمر…وأقسى…لأنها وحشة بين الأحبة والمرابع …فيها حنين إلى الذات ..و تجسيد للموجود المفقود …
الغربة خارج الوطن غربة جسمية فيها ألم لكن فيها أملا…فيها شوق وحنين إلى أحبة وأرض لكن فيها عودة ولقاء ومتعة ….
كل شيء في هذه الأرض صار متحولا..صار غريبا…الإنسان..الدين…المعرفة…الثقافة…
مجتمع يدمر ثوابته متحججا بإكراهات العصر بائس …
مسافرة (أنثى..وحيدة…تحمل هما أي هم!!!هم إنسان…هم أمة ..”العيش والثقافة…”….مدى حزني..مدى صبري…مدى قلقي …مدى صحرائي العطشى..مدى الجياع في وطني..)
لا تمهد ..لا تستأذن… ولا تطلب صاحبا…وهل يستأذن الظالم على المطالبة بالحق؟؟!!
وتستمر الرحلة بلا محطات …إذا انتهى مدى بدا مدى : مدى الحدق.. مد البصر وهو عادة النظر إلى آفاق غير مرئية..لا متناهية..كلما توهم التماس بين الأرض والسماء امتدت آفاق لا يحدها الفضاء الأزرق ..
مدى التهتان والودق….(الأرض والزمن)…مواقع المطر مسافات ممتدة ثم مدة المطر الذي يقوى ويخف ويتوقف ويبدأ من جديد……وهنا يتماهى الأعلى في الأسفل …فالمحلق إلى القمم هو نفسه الغائص في الأعماق ….
التهتان..الودق….الصحراء…العطش ….المطر… الندى…الجفاف…الشحوب…يتشكل المشهد في بناء معماري قائم على التضاد ، و تتجلى الجدلية الوجودية بين الشيء و نقيضه….
في الرحلة مغامرة (ثبج..أمواج من الغسق)…(لماذا البحر والأمواج والليل…والتيه إلى المجهول…(المخاطرة والتصميم واقتحام المعيقات مهما كانت جسيمة….)
معاناة المرأة هي سجن الصمت … يحرم الكلام على غير الرجال بمعنى ” يحرم الولوج لغير العاملين هنا”….لتجد نفسها بين حزن من واقع معيش وقلق من مستقبل مجهول…
تلتفت الشاعرة إلى عهد الطفولة تمتاح وما نضب النبع (في لحظة شردت من سرب اللحظات)….مدرستي (إضافة عشق وحنين) فتتذكر الطيش والنزق….وهما أحلى سلوك يذكره الراشدون….لأنه لا يحدث (مباحا) إلا في تلك المرحلة من عمر الإنسان…
وبسرعة تنتقل إلى قضايا الأمة إلى معاناة الفقراء والمحرومين ….المرتبطة عادة بالوعي المكتسب من الدراسة…الثقافة العالمة…
أشرعة يظللها القمر…. وأشعة القمر أخطر عند البعض من أشعة الشمس؟؟احتاطت الشاعرة بهذا اللون الوردي الجميل …(قمر ظليل!!)
الحلم..(تملص من الواقع ورفض له….وبحث في أرض الله) (وفي الأرض منأى للكريم…) لكن أرض الله واسعة…(الجهد…المشقة.. الكفاح..الصبر…..)

(ثلاثة عشر ضميرا ، (ياء المتكلم) ..ارتباط كل شيء بها …حتى الصحراء على اتساعها (صحرائي) لغتي (احتضان…عناق…ذوبان …) لا احتضان أم لطفل يحتاج الدفء والرحمة بل احتضان بنت ترى أمها تزدرى وتنتقص …(الإنصاف…الاعتبار..رفض العار…) …
في الأبيات العشرة تكررت كلمة “فراق..وفرق (متفرقة طبعا)” – وهي دالة على السفر- سبع مرات في الابيات:1-(فراق)-2(فرق)-3(فراق)-4(فرق)-6(فرق)-8(فراق)-10(فراق)….مثال البيت الاول:

مسافرة مدى الحدق مدى التهتان والودق
(الفاء والراء من مسافرة والألف والقاف من الحدق)

وهنا ترى انك رحلت مع الشاعرة إلى الشاعرة …لتدرك انها ليست منشدة ولا منشئة ..الشاعرة هي النص… هي القصيدة ..فهي المسافرة…وهى السفر…وهي الوسيلة…وهي المسافر إليه…أبحث عن وجهي وعن نسقي …مسافرة إلى لغتي …..وهنا يختفي كل شيء إلا الشاعرة واللغة…قصة عشق لا تنتهي مهما تكرر البوح….رحلة دامت عشرة أبيات فقط ومن الوافر مجزوء رأيت فيها رحلة الإنسان يبحث عن ذاته…رحلة قد يكون مداها أجيالا زمنية لكن لا مندوحة منها في بحث الإنسان عن الانسان….إذا استدار بك المركب ورأيت أن مودعك هو مرافقك وهومستقبلك فقل:(باته :السلام عليكم..كيف الحال؟)….

من صفحة الكاتب ذاكو وينهو على الفيسبوك

تصفح أيضا...