مقاطعة أنتيكان تفتح صفحة جديدة في ملف النزاعات العقارية | البشام الإخباري

  

   

مقاطعة أنتيكان تفتح صفحة جديدة في ملف النزاعات العقارية

حاكم مقاطعة أنتيكان السيد: الشيخ سعد بوه ولد الشيخ الحضرمي

مقاطعة انتيكان تفتح صفحة جديدة في ملف النزاعات العقارية

 

في مقاطعة انتيكان، حيث ظلت بعض النزاعات العقارية تراوح مكانها لعقود، وتنتقل من حاكم إلى آخر دون أن تجد طريقها إلى الحل، يبدو أن صفحة جديدة بدأت تكتبها مقاربة مختلفة، عنوانها الحوار، والاحتكام إلى القانون، وتغليب المصلحة العامة على حساب الخصومات والتجاذبات.

 

منذ توليه مسؤولية حاكم المقاطعة، وضع الشيخ سعد بوه ولد الشيخ الحضرمي ملف النزاعات العقارية ضمن أولوياته، مدركا أن استمرار هذه القضايا لا يعني مجرد خلافات بين أفراد ومجموعات، بل يمثل عائقا حقيقيا أمام الاستثمار واستغلال الأراضي، وتهديدا محتملا للسلم الأهلي، وفرملة لجهود التنمية الزراعية في منطقة يفترض أن تكون الزراعة فيها رافعة أساسية للاقتصاد المحلي والوطني.

 

ولم تكن أمامه قضايا وليدة اللحظة، بل ملفات ظلت مفتوحة لسنوات طويلة، بعضها يعود إلى تسعينيات القرن الماضي، من بينها النزاع حول أرض ورثة رجل الأعمال حابه مع بعض السكان المحليين، وقضية 1200 هكتار، وملف أهل بلعمش، وقضية العزة منت همام، إلى جانب ملفات عقارية أخرى ظلت عصية على الحل، رغم تعاقب المسؤولين عليها.

 

الجديد هذه المرة لم يكن في وجود هذه الملفات، وإنما في طريقة التعامل معها.

 

فبدلا من تركها أسيرة التجاذبات السياسية أو تحويلها إلى عناوين للصراع القبلي والعنصري، اتجه الحاكم إلى إخراجها من دائرة الاستقطاب، وإعادتها إلى إطارها الطبيعي: القانون والحوار والبحث عن حلول ترضي الأطراف وتحفظ الحقوق.

 

وهو مسار يحتاج إلى قدر كبير من الحكمة والصبر والقدرة على الاستماع. فالنزاعات العقارية القديمة لا تحل بالقرارات الارتجالية، ولا بالانحياز إلى طرف على حساب آخر، وإنما تحتاج إلى مسؤول يستطيع أن يقف على مسافة واحدة من الجميع، وأن يقنع المتخاصمين بأن التوصل إلى حل عادل أفضل من إبقاء الخلاف مفتوحا جيلا بعد جيل.

 

وهذا تحديدا ما فعله الشيخ سعد بوه ولد الشيخ الحضرمي، فبفضل كياسته وأخلاقه وجديته وخبرته الإدارية، نجح في فتح أبواب كانت موصدة، وإعادة أطراف ظلت متباعدة إلى طاولة الحوار. ومع مرور الوقت، بدأ الخصوم يلمسون أن المقاربة الجديدة لا تستهدف تسجيل انتصار لطرف على آخر، وإنما الوصول إلى حلول تحفظ الحقوق وتضع حدا لنزاعات استنزفت الجميع.

 

ولعل الأهم أن كثيرا من حالات الصلح لم تأت نتيجة ضغط أو إملاء، وإنما جاءت طوعا بعد أن اقتنع أصحاب النزاع بجدية المسار وصدق النوايا. وهنا تكمن قيمة ما تحقق؛ فالصلح الذي يصنعه الاقتناع أكثر استقرارا من الحل الذي تفرضه القوة، والتوافق الذي يولد من الحوار أبقى أثرا من التسوية التي تترك في النفوس شعورا بالغبن.

 

ولهذا، فإن ما تحقق في بعض هذه الملفات يراه كثير من سكان المنطقة أقرب إلى المعجزة، بالنظر إلى طول عمر النزاعات وتعقيدها، وإلى أنها ظلت لسنوات طويلة تنتظر حلا لم يأت.

 

لكن الأهم من حل هذا الملف أو ذاك هو أن تكون هناك استراتيجية شاملة لإنهاء النزاعات العقارية المستعصية في المقاطعة، تقوم على إخراج العقار من سوق التجاذبات السياسية والقبيلة والعنصرية، ومنع تحويل الخلافات الفردية إلى صراعات جماعية، والاحتكام في النهاية إلى القانون والوثائق والوقائع، بعيدا عن الولاءات والضغوط والانحياز.

 

وهذه هي الخطوة الأهم التي يبدو أن حاكم انتيكان قد بدأ بها، وهي إعادة تعريف المشكلة نفسها.

 

فالنزاع العقاري ليس مناسبة لتسجيل النقاط السياسية، ولا ساحة لتغذية الاحتقان القبلي أو العنصري، وإنما قضية حقوق ينبغي أن تعالج بالقانون، ووسائل المصالحة، بما يحفظ كرامة الأطراف ويصون السلم الأهلي ويخدم التنمية.

 

إن نجاح الإدارة المحلية في حل نزاع عقاري قديم لا يعني فقط إنهاء خصومة بين طرفين؛ بل يعني تحرير أرض من التعطيل، وفتح الباب أمام الاستثمار، وتوفير مناخ أكثر أمنا للتنمية، وإزالة مصدر محتمل للتوتر الاجتماعي وتهديد السلم الأهلي.

 

ومن هنا، فإن ما يجري في انتيكان يستحق أن ينظر إليه باعتباره تجربة في الإدارة المحلية تتجاوز حدود الملفات التي تمت تسويتها حتى الآن. فإذا استمرت هذه المقاربة بنفس الجدية والحياد، فقد تتحول المقاطعة من منطقة تتراكم فيها النزاعات العقارية إلى نموذج في كيفية تحويل الملفات المستعصية إلى فرص للمصالحة والتنمية.

 

فالإنجاز الحقيقي ليس أن ينتصر طرف على طرف، وإنما أن ينتصر القانون على الفوضى، والحوار على الخصومة، والمصلحة العامة على التجاذبات.

 

وهذا هو المنعطف الذي يمكن أن يجعل من معالجة النزاعات العقارية في انتيكان بداية لمرحلة جديدة، يكون فيها العقار أداة للتنمية لا وقودا للصراع، ويكون فيها الصلح جسرا للمستقبل لا مجرد تسوية مؤقتة لخلاف قديم.

تصفح أيضا...