
البشام الإخباري/وأنا أضع آخر سطر في مرحلةٍ قضيت فيها سنواتٍ من عمري بالمعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية، وجدتني أستحضر وُجوهًا ومواقف ستظل حاضرةً في الذاكرة، ومن بينها مدير المعهد، الدكتور محمد ولد الشيخ الرباني.
ولم تكن معرفتي به معرفةَ طالبٍ بمدير مؤسسته فحسب؛ فقد جمعتني به خلال سنتي الأخيرة، وأنا رئيس الدفعة الرابعة من تخصص النظم والمهن القضائية، لقاءاتٌ واجتماعاتٌ متكررة على مستوى الدفعة، أتاحت لي أن أتعرف عن قرب إلى جانبٍ من شخصيته، وأن أرى شيئًا من طريقته في الإدارة والتعامل، وأن ألمس حرصه على المؤسسة واهتمامه بشؤون طلابها.
ومن موقعٍ كهذا، أجدني اليوم مدفوعًا إلى كتابة هذه الكلمات؛ لا لأنّ الرجل يشغل منصبًا، وإنما لأنني عايشت جانبًا من تجربته، ورأيت كيف يمكن للمسؤول أن يتعامل مع منصبه باعتباره أمانةً ومسؤولية، لا مجرد موقعٍ إداري.
وقد لفتني في الدكتور محمد ولد الشيخ الرباني، إلى جانب حضوره العلمي، ذلك الاهتمام بالتفاصيل التي تمس حياة الطالب مباشرة، والحرص على أن تكون الإدارة قريبةً من واقع المؤسسة، وأن لا تبقى مشكلات الطلاب مجرد مطالب تُرفع، وإنما قضايا تستحق المتابعة والمعالجة.
ولعل هذا المعنى ظهر في جملةٍ من الخطوات التي شهدها المعهد خلال فترة إدارته؛ فقد اتجهت الإدارة إلى رقمنة بعض الخدمات وتقريبها من الطلاب، وأطلقت خدمة سحب إفادة التسجيل إلكترونيًا، كما عملت على معالجة مشكلة النقل خلال فترات التقويم والامتحانات، فضلًا عن العناية بالبحث العلمي والدراسات العليا وتنشيط الحياة العلمية في المؤسسة.
لكنني لا أريد أن أختزل تجربة الرجل في هذه الإجراءات وحدها؛ فالإدارة في حقيقتها روحٌ قبل أن تكون قرارات، وأثر المسؤول لا يقاس بعدد ما أصدر من توجيهات، وإنما بما يتركه في نفوس من تعامل معهم، وبما يضيفه إلى المؤسسة التي اؤتُمن عليها.
وقد بدا لي أن الدكتور محمد ولد الشيخ الرباني كان يحمل تصورًا واضحًا عن المعهد بوصفه مؤسسةً تجمع بين أصالة المحظرة الشنقيطية ومتطلبات التعليم الأكاديمي الحديث، وهو المعنى الذي أكّد عليه في أكثر من مناسبة، وربطه برسالة المعهد ومكانته العلمية.
ومن هنا جاءت بعض ملامح المرحلة: اهتمامٌ بالبحث العلمي، وعنايةٌ بالدراسات العليا، وتشجيعٌ للموسم العلمي والندوات، وسعيٌ إلى تطوير الأداء الإداري والأكاديمي، مع المحافظة على شخصية المعهد ورسالته.
وما يزيد هذه التجربة أهميةً أن الرجل جاء إلى إدارة المعهد من خلفيةٍ أكاديمية؛ فقد كان قبل تعيينه رئيسًا لقسم الدكتوراه في آداب العربية بجامعة نواكشوط العصرية، وهو ما يجعل انتقاله إلى إدارة مؤسسةٍ علمية عريقة انتقالًا بين فضاءين يجمعهما العلم والبحث والتكوين.
أما أنا، فقد كان نصيبي من هذه المرحلة أن عشت سنتي الأخيرة في المعهد وأنا أحمل مسؤولية رئاسة الدفعة، فكانت اللقاءات والاجتماعات فرصةً لأرى الرجل بعيدًا عن الصورة الرسمية التي قد يرسمها المنصب لصاحبه.
ولذلك أقولها اليوم بكل وضوح:
قد يختلف الناس في تقييم بعض القرارات، وقد تختلف وجهات النظر حول بعض التفاصيل، لكن من الإنصاف أن يُذكر للرجل أنه جاء إلى مؤسسةٍ عريقة وهو يحمل همَّ تطويرها، وأنه لم يتعامل مع الإدارة بوصفها لقبًا يُضاف إلى اسمه، وإنما بوصفها مسؤوليةً ينبغي أن تترك أثرًا.
واليوم، وقد انتهت رسميًا مرحلة الليسانس، لم يعد بيني وبين إدارة المعهد مطلبٌ أو مصلحة، ولذلك أجدني أكثر حريةً في أن أقول كلمةً أراها مستحقة.
شكرًا للدكتور محمد ولد الشيخ الرباني؛ شكرًا لما بذل، ولما حاول، ولما أصلح، ولما ترك من أثر.
فالمناصب عابرة، أما الأثر فباقٍ؛ والمدير يغادر مكتبه يومًا، لكن ما زرعه في المؤسسة، وما تركه في نفوس طلابها، وما أسهم به في مسيرتها، يظل شاهدًا عليه.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في حق مسؤولٍ عند نهاية مرحلةٍ من مراحل المؤسسة: أن يغادر ويبقى اسمه مقرونًا بذكرى طيبة، وبمحاولةٍ صادقة، وبأثرٍ يستحق أن يُذكر.
أسأل الله أن يوفق الدكتور محمد ولد الشيخ الرباني، وأن يبارك في علمه وعمله، وأن يجعل ما قدمه للمعهد وطلابه في ميزان حسناته، وأن يكتب له السداد فيما استُؤمن عليه، وأن يظل المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية منارةً للعلم، جامعًا بين أصالة رسالته وتطور أدواته.
(الصورة)من تكريم الدفعة الرابعة من تخصص النظم والمهن القضائية "دفعة الأمين" للدكتور محمد ولد الشيخ الرباني، تقديرًا لما بذله من جهد، وما شهدناه خلال فترة إدارته من إصلاحٍ وتطوير.
.gif)


