مفترق طرق أم طريق دائري؟ / الحسين ولد أحمد الهادي | البشام الإخباري

مفترق طرق أم طريق دائري؟ / الحسين ولد أحمد الهادي

بسم الله و الحمد لله و الصلاة و السلام على سيدي و مولاي رسول الله؛
أستفتح بقول الله تعلى، بعد بسم الله الرحمن الرحيم {رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي} صدق الله العظيم.
تقسم السياسية الأمريكية إلينورر وزفلت العقول إلى:عقول كبيرة تناقش الأفكار،عقول متوسطة تناقش الأحداث وعقول صغيرة تناقش الأشخاص.

وحدهم أصحاب العقول الكبيرة أشياخي و المتوسطة أقراني، هم من أتوجه إليهم، أقاسمهم و أستأنس بهم.
أ) بانوراما معركة الفوضى الانتخابية:
1382 لائحة ل 219 بلدية و 156 ل 13 جهة، تتنافس على700000مصوت-في أحسن الظروف- و ليس ناخب،و تتصارع على بقايا بنية اجتماعية معقدة هشة و محتقنة منذ عقود، و الحبل على الْجَرَّارْ-على رأي إخوتنا السوريين- بالنسبة للنيابيات.
مشهد مقلق، وينبئ ليس فقط بانتخابات ساخنة و إنما ب: مخاض عسيرسيولد بعده -شئنا أم أبينا-واقع سياسي جديد و خارطة سياسية جديدة؛اندحار شبه كامل للنخب السياسية المدنية و التقليدية،مقابل سيطرة تامة لِسياسيِّي ُنصْ كُمْ-على رأي إخوتنا المصريين- و لدعاة الفتنة و للغوغائيين على المشهدين السياسي و الانتخابي؛انقسام مجتمعي أفقي و عمودي؛ تحويل نيجاتيف الصورة السياسية و المجتمعية التي طالما حرصنا جميعا على تجاهلها و عدم التمعن فيها و محاولة إخفائها،إلى صورة رقمية ثلاثية الأبعاد -بدون فوتوشوب- لموريتانيا ما بعد.
إن الوضعية السابقة بعناصرها المختلفة، ليست سوى حصيلة، أو بالأحرى خلاصة، لتضافر و تفاعلا لعوامل التالية:
1. مشهد سياسي أقل ما يقال فيه بأنه رديء، يتشكل أساسا من: أحزاب سياسية هشة يغيب عنها الطابع المؤسسي، و هو أمر أدركه رئيس الجمهورية فباشر بنفسه عملية إصلاح و مؤسسة الحزب الحاكم و الرفع من مستوى التشاركية فيه و هي بادرة تحسب له؛ ومن أقطاب و كتل سياسية رخوة تولد ولادة قيصرية سرعان ما تتفتت أو تتلاشى بفعل عدم الانسجام و انعدام الثقة و تضارب المصالح؛ و أخيرا و ليس آخرا نخب (أغلبية الفاعلين و كبار الناخبين و مجموعات الضغط) تستمد قوتها السياسية من مصادر غير حزبية (الجهة،العرق، القبيلة، شبكة العلاقات الاجتماعية و المهنية، الثروة...إلخ).
2. تمييع المشهد السياسي، من خلال الاستقالة الطوعية أو الجبرية أو الإقصاء الممنهج لأغلب الكفاءات الخبرات السياسية على ندرتها، مقابل هيمنة تامة لجحا فلا لهواة و الغوغاء و الرعاع و الرعن على الحراك السياسي وعلى مفاصل الفعل فيه،و تصدرهم للمشهد خلسة بلا مؤهلات و من غير رخص الاحتراف السياسي.
3. انفجار طموح -حتى لا أقول طمع- شغل المناصب الانتخابية بسمات متعددة تتراوح في أغلبها ما بين الغفلة و الجهل و الرعونة. طموح عصي على كل فهم، خالي من كل منطق، متمرد على كل معيار، مفكك لكل بنية سياسية كانت أم اجتماعية ومشتت لكل جهد.
4. ترشيحات فقيرة في معاييرها، قليلة الموضوعية في خياراتها،ضعيفة في فعاليتها، مرتبكة في توجهاتها و في دلالاتها، ومربكة لتوازنات اجتماعية طالما ضمنت-على علاتها- حدا أدنى من توازن المصالح المتنافسة أو المتعارضة للمجموعات، و قلصت من احتمالات الاحتكاك فيما بينها.
لم يطل الانتظار، فقد جاءت النتائج سريعة:مشهد فريد من نوعه،يختلط فيه حابل معارك كسر العظم بين لوبيات" النفوذ و المال" بنابل الفوضى الانتخابية المُقَوِّضَة؛ استقطاب جهوي-عرقي-قبلي-فئوي حاد بدل الاستقطاب السياسي (موالاة و معارضة)المعهود.
ب) راحت السكرة و جاءت الفكرة:
أسابيع معدودة،و يسدل الستار على المشهد السابق بخشبته و بأبطاله و بديكوره و بجمهوره، وقتها تذهب السكرة (نشوة إقصاء الخصوم)و تأتي الفكرة(تسيير التداعيات و التعقيدات)على رأي إخوتنا المشارقة، فتسقط الأقنعة و تُتَدافَعُ المسؤولية. في العرف الانتخابي، لا بد منالحِسابْ(الدَّفْعْ) على المشاريب-على رأي إخوتنا السوريين- وأيضا على الأواني المكسورة -على رأي أصدقائنا الفرنسيين-، عندها تختفي وجوه كانت تتصدر المشهد و تتهاوى رؤوس كان ينظر إليها كمراكز للقوى، فمن عليه الدور يا ترى؟
دعونا الآن ننتقل للأهم، يقول الكاتب الأمريكي جيمس فريمان كلارك " إن الفرق بين السياسي ورجل الدولة هو أن الأول يفكر في الانتخابات القادمة بينما يفكر الثاني في الجيل القادم ".
مما لا شك فيه بأن خياراتنا اليوم و ليس غدا،هي من يؤسس لوسم مستقبلنا المنظور والمخفي، و هي أيضا من يحدد مستوى أداء نظامنا السياسي و درجة وثوقيته و قابلية استمراره. إن الحس السليم مَشُو بقليل من المنطق وبِدَ انِقٍمن المسؤولية،يحتم علينا سرعة العمل على:
1. وضع ترتيبات سياسية محكمة، ملائمة و مناسبة للمرحلة، مصاغة و مرتبة من لدن رجالات دولة و رجالات مجتمع،بعيدا عن تطفل مدمني السياسة و مرضى لمناصب و مُحيكي الدسائس و المكائد.ترتيبات بعيدة عن الارتجالية و عن العاطفية و عن العبثية، و خالية من الصراعات الصبيانية ومن تصفية الخصوم في الجبهة الواحدة.
2. تطيين " سمنتة " فسيفساء المشهد السياسي بشكل يسمح بإنتاج خارطة سياسية واضحة المعالم متماسكة الأقطاب؛استقرار سياسي ولو شكلي حيث لا بديل؛تسيير محكم و آمن لارتدادات التحولات و التقلبات السياسية و الاجتماعية المستقبلية التي لا مفر منها.
3. إعادة ترميم الوحدة الوطنية و تقوية النسيج الاجتماعي،و هي أمور لن تتأتى إلا من خلال: إعادة بناء الجسور بين مكونات المجتمع، وتذويب مناخ الشك والريبة -حتى لا أقول التنافر- الذي بات يطبع العلاقة بين تلك المكونات؛ إعادة النظر في الظروف التي يجب توفيرها، من أجل بناء تماسك اجتماعي وفق منطق الحوار التوافقي المجتمعي؛إيجاد سبل لتناول تركة الماضي (القريب و البعيد)بطريقة بناءة وموضوعية.
و أختم بقول الله تعلى،بعد بسم الله الرحمن الرحيم {للهِ الأمرُ من قبلُ و من بعدُ} صدق الله العظيم.

تصفح أيضا...